البحث

الخميس، 14 نوفمبر 2024

٠٠٠١ شبهة صحة حديث الجسّاسة

[ حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث، و حجاج بن الشاعر . كلاهما عن عبد الصمد بن عبد الوارث (واللفظ لعبد الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ). حدثنا  أبي عَنْ جَدِّي  ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ ذَكْوَانَ . حدثنا  ابن بريدة . حدثني عامر بن شراحيل الشعبي، شعب همدان ؛ أَنَّهُ سَأَلَ فَاطِمَةَ بنْتَ قَيْسٍ أُخْتَ الضَّحَّاكِ بنِ قَيْسٍ ؛ وَكَانَتْ مِنَ المُهَاجِرَاتِ الأُوَلِ ، فَقالَ: حَدِّثِينِي حَدِيثًا سَمِعْتِيهِ مِن رَسولِ اللهِ ﷺ ، لا تُسْنِدِيهِ إلى أَحَدٍ غيرِهِ، فَقالَتْ: لَئِنْ شِئْتَ لَأَفْعَلَنَّ، فَقالَ لَهَا: أَجَلْ حَدِّثِينِي، فَقالَتْ: نَكَحْتُ ابْنَ المُغِيرَةِ، وَهو مِن خِيَارِ شَبَابِ قُرَيْشٍ يَومَئذٍ، فَأُصِيبَ في أَوَّلِ الجِهَادِ مع رَسولِ اللهِ ﷺ ، فَلَمَّا تَأَيَّمْتُ خَطَبَنِي عبدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَوْفٍ في نَفَرٍ مِن أَصْحَابِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، وَخَطَبَنِي رَسولُ اللهِ ﷺ علَى مَوْلَاهُ أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ، وَ كُنْتُ قدْ حُدِّثْتُ ، أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " مَن أَحَبَّنِي فَلْيُحِبَّ أُسَامَةَ " ، فَلَمَّا كَلَّمَنِي رَسولُ اللهِ ﷺ ، قُلتُ: أَمْرِي بيَدِكَ، فأنْكِحْنِي مَن شِئْتَ، فَقالَ: " انْتَقِلِي إلى أُمِّ شَرِيكٍ." ، وَأُمُّ شَرِيكٍ امْرَأَةٌ غَنِيَّةٌ مِنَ الأنْصَارِ، عَظِيمَةُ النَّفَقَةِ في سَبيلِ اللهِ، يَنْزِلُ عَلَيْهَا الضِّيفَانُ ، فَقُلتُ: سَأَفْعَلُ، فَقالَ: " لا تَفْعَلِي، إنَّ أُمَّ شَرِيكٍ امْرَأَةٌ كَثِيرَةُ الضِّيفَانِ؛ فإنِّي أَكْرَهُ أَنْ يَسْقُطَ عَنْكِ خِمَارُكِ، أَوْ يَنْكَشِفَ الثَّوْبُ عن سَاقَيْكِ، فَيَرَى القَوْمُ مِنْكِ بَعْضَ ما تَكْرَهِينَ، وَلَكِنِ انْتَقِلِي إلى ابْنِ عَمِّكِ عبدِ اللهِ بنِ عَمْرِو ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ "، وَهو رَجُلٌ مِن بَنِي فِهْرٍ؛ فِهْرِ قُرَيْشٍ، وَهو مِنَ البَطْنِ الَّذي هي منه. فَانْتَقَلْتُ إلَيْهِ، فَلَمَّا انْقَضَتْ عِدَّتي سَمِعْتُ نِدَاءَ المُنَادِي ؛ مُنَادِي رَسولِ اللهِ ﷺ يُنَادِي: الصَّلَاةَ جَامِعَةً، فَخَرَجْتُ إلى المَسْجِدِ، فَصَلَّيْتُ مع رَسولِ اللهِ ﷺ ، فَكُنْتُ في صَفِّ النِّسَاءِ الَّتي تَلِي ظُهُورَ القَوْمِ، فَلَمَّا قَضَى رَسولُ اللهِ ﷺ صَلَاتَهُ جَلَسَ علَى المِنْبَرِ وَهو يَضْحَكُ، فَقالَ: " لِيَلْزَمْ كُلُّ إنْسَانٍ مُصَلَّاهُ " ، ثُمَّ قالَ: " أَتَدْرُونَ لِمَ جَمَعْتُكُمْ؟ " ، قالوا : " اللَّهُ وَرَسولُهُ أَعْلَمُ" ، قالَ: " إنِّي وَاللَّهِ ما جَمَعْتُكُمْ لِرَغْبَةٍ وَلَا لِرَهْبَةٍ، وَلَكِنْ جَمَعْتُكُمْ لأنَّ تَمِيمًا الدَّارِيَّ كانَ رَجُلًا نَصْرَانِيًّا، فَجَاءَ فَبَايَعَ وَأَسْلَمَ، وَحدَّثَني حَدِيثًا وَافَقَ الَّذي كُنْتُ أُحَدِّثُكُمْ عن مَسِيحِ الدَّجَّالِ. حدَّثَني أنَّهُ رَكِبَ في سَفِينَةٍ بَحْرِيَّةٍ مع ثَلَاثِينَ رَجُلًا مِن لَخْمٍ وَجُذَامَ، فَلَعِبَ بهِمِ المَوْجُ شَهْرًا في البَحْرِ، ثُمَّ أَرْفَؤُوا إلى جَزِيرَةٍ في البَحْرِ حتَّى مَغْرِبِ الشَّمْسِ، فَجَلَسُوا في أَقْرُبِ السَّفِينَةِ، فَدَخَلُوا الجَزِيرَةَ، فَلَقِيَتْهُمْ دَابَّةٌ أَهْلَبُ كَثِيرُ الشَّعَرِ، لا يَدْرُونَ ما قُبُلُهُ مِن دُبُرِهِ؛ مِن كَثْرَةِ الشَّعَرِ، فَقالوا: وَيْلَكِ! ما أَنْتِ؟ فَقالَتْ: أَنَا الجَسَّاسَةُ، قالوا: وَما الجَسَّاسَةُ؟ قالَتْ: أَيُّهَا القَوْمُ، انْطَلِقُوا إلى هذا الرَّجُلِ في الدَّيْرِ؛ فإنَّه إلى خَبَرِكُمْ بالأشْوَاقِ، قالَ: لَمَّا سَمَّتْ لَنَا رَجُلًا فَرِقْنَا منها أَنْ تَكُونَ شيطَانَةً، قالَ: فَانْطَلَقْنَا سِرَاعًا حتَّى دَخَلْنَا الدَّيْرَ، فَإِذَا فيه أَعْظَمُ إنْسَانٍ رَأَيْنَاهُ قَطُّ خَلْقًا، وَأَشَدُّهُ وِثَاقًا، مَجْمُوعَةٌ يَدَاهُ إلى عُنُقِهِ، ما بيْنَ رُكْبَتَيْهِ إلى كَعْبَيْهِ بالحَدِيدِ، قُلْنَا: وَيْلَكَ! ما أَنْتَ؟ قالَ: قدْ قَدَرْتُمْ علَى خَبَرِي، فأخْبِرُونِي ما أَنْتُمْ؟ قالوا: نَحْنُ أُنَاسٌ مِنَ العَرَبِ رَكِبْنَا في سَفِينَةٍ بَحْرِيَّةٍ، فَصَادَفْنَا البَحْرَ حِينَ اغْتَلَمَ، فَلَعِبَ بنَا المَوْجُ شَهْرًا، ثُمَّ أَرْفَأْنَا إلى جَزِيرَتِكَ هذِه، فَجَلَسْنَا في أَقْرُبِهَا، فَدَخَلْنَا الجَزِيرَةَ، فَلَقِيَتْنَا دَابَّةٌ أَهْلَبُ كَثِيرُ الشَّعَرِ، لا يُدْرَى ما قُبُلُهُ مِن دُبُرِهِ مِن كَثْرَةِ الشَّعَرِ، فَقُلْنَا: وَيْلَكِ! ما أَنْتِ؟ فَقالَتْ: أَنَا الجَسَّاسَةُ، قُلْنَا: وَما الجَسَّاسَةُ؟ قالَتْ: اعْمِدُوا إلى هذا الرَّجُلِ في الدَّيْرِ؛ فإنَّه إلى خَبَرِكُمْ بالأشْوَاقِ، فأقْبَلْنَا إلَيْكَ سِرَاعًا، وَفَزِعْنَا منها، وَلَمْ نَأْمَن أَنْ تَكُونَ شيطَانَةً. فَقالَ: أَخْبِرُونِي عن نَخْلِ بَيْسَانَ، قُلْنَا: عن أَيِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ؟ قالَ: أَسْأَلُكُمْ عن نَخْلِهَا؛ هلْ يُثْمِرُ؟ قُلْنَا له: نَعَمْ، قالَ: أَمَا إنَّه يُوشِكُ أَنْ لا تُثْمِرَ، قالَ: أَخْبِرُونِي عن بُحَيْرَةِ الطَّبَرِيَّةِ، قُلْنَا: عن أَيِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ؟ قالَ: هلْ فِيهَا مَاءٌ؟ قالوا: هي كَثِيرَةُ المَاءِ، قالَ: أَمَا إنَّ مَاءَهَا يُوشِكُ أَنْ يَذْهَبَ، قالَ: أَخْبِرُونِي عن عَيْنِ زُغَرَ، قالوا: عن أَيِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ؟ قالَ: هلْ في العَيْنِ مَاءٌ؟ وَهلْ يَزْرَعُ أَهْلُهَا بمَاءِ العَيْنِ؟ قُلْنَا له: نَعَمْ، هي كَثِيرَةُ المَاءِ، وَأَهْلُهَا يَزْرَعُونَ مِن مَائِهَا، قالَ: أَخْبِرُونِي عن نَبِيِّ الأُمِّيِّينَ ما فَعَلَ؟ قالوا: قدْ خَرَجَ مِن مَكَّةَ وَنَزَلَ يَثْرِبَ، قالَ: أَقَاتَلَهُ العَرَبُ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، قالَ: كيفَ صَنَعَ بهِمْ؟ فأخْبَرْنَاهُ أنَّهُ قدْ ظَهَرَ علَى مَن يَلِيهِ مِنَ العَرَبِ وَأَطَاعُوهُ، قالَ لهمْ : قدْ كانَ ذلكَ؟ قُلْنَا : نَعَمْ ، قالَ: أَمَا إنَّ ذَاكَ خَيْرٌ لهمْ أَنْ يُطِيعُوهُ، وإنِّي مُخْبِرُكُمْ عَنِّي؛ إنِّي أَنَا المَسِيحُ، وإنِّي أُوشِكُ أَنْ يُؤْذَنَ لي في الخُرُوجِ فأخْرُجَ، فأسِيرَ في الأرْضِ فلا أَدَعَ قَرْيَةً إلَّا هَبَطْتُهَا في أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، غيرَ مَكَّةَ وَطَيْبَةَ؛ فَهُما مُحَرَّمَتَانِ عَلَيَّ كِلْتَاهُمَا، كُلَّما أَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَ وَاحِدَةً ( أَوْ وَاحِدًا ) منهما اسْتَقْبَلَنِي مَلَكٌ بيَدِهِ السَّيْفُ صَلْتًا، يَصُدُّنِي عَنْهَا، وإنَّ علَى كُلِّ نقيب منها مَلَائِكَةً يَحْرُسُونَهَا ". قالَتْ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ وَطَعَنَ بمِخْصَرَتِهِ في المِنْبَرِ: " هذِه طَيْبَةُ، هذِه طَيْبَةُ، هذِه طَيْبَةُ ( يَعْنِي المَدِينَةَ ) أَلَا هلْ كُنْتُ حَدَّثْتُكُمْ ذلكَ؟" ، فَقالَ النَّاسُ: "نَعَمْ." ، [قال : ] " فإنَّه أَعْجَبَنِي حَديثُ تَمِيمٍ؛ أنَّهُ وَافَقَ الَّذي كُنْتُ أُحَدِّثُكُمْ عنْه، وَعَنِ المَدِينَةِ وَمَكَّةَ، أَلَا إنَّه في بَحْرِ الشَّأْمِ أَوْ بَحْرِ اليَمَنِ، لا، بَلْ مِن قِبَلِ المَشْرِقِ ما هُوَ، مِن قِبَلِ المَشْرِقِ ما هو، مِن قِبَلِ المَشْرِقِ ما هو، وَأَوْمَأَ بيَدِهِ إلى المَشْرِقِ " ، قَالَتْ: فَحَفِظْتُ هذا مِن رَسولِ اللهِ ﷺ. ]

١- تخريج الحديث

مسند الإمام أحمد (١٦٩٤٠، ٢٧١٠١، ٢٧١٠٢، ٢٧٣٣١) - سنن أبي داود (٤٣٢٥، ٤٣٢٦) - جامع الترمذي (٢٢٥٣) - السنن الكبرى للنسائي (٤٢٤٤) - سنن ابن ماجه (٤٠٤٧) - مسند أبو داود الطيالسي (١٧٥٢) - مسند الحميدي (٣٦٨) - مصنف ابن أبي شيبة (٣٧٥٢٠، ٣٧٦٣٦) - مسند إسحاق بن راهويه (٢٣٦١، ٢٣٦٢) - الآحاد و المثاني لابن أبي عاصم (٣١٨٠، ٣١٨١) - معجم أبو يعلي (١٥٧، ٢٨٧) - مسند الروياني (١٥٤٣) - شرح مشكل الآثار للطحاوي (٢٩٤٧) - الشريعة للآجري (٨٨٥، ٨٨٦) - المعجم الكبير للطبراني (٢/ ٥٤، ٢٤/ ٣٧١، ٣٧٢، ٣٨٥، ٣٨٦) - دلائل النبوة للبيهقي (٥/ ٤١٦).

٢- سند الحديث 

✍️ أولاً ورد هذا الحديث في صحيح مسلم برقم (٢٩٤٢) ، و هذا كاف للجزم بصحته ، و لمن لا يعرف الإمام مسلم ، فهو الإمام مسلم بن الحجاج النيسابوري ، العالم المحدّث الجليل الحافظ الحُجّة الثَبت ، أثنى عليه كبار العلماء ، من أساتذته و تلاميذه ، و هو من عُمِد علم الحديث ، و كتابه المسمى صحيح مسلم ، هو الثالث ترتيباً كأصح الكتب ؛ بعد القرآن الكريم و صحيح البخاري و على ذلك جمهور العلماء.

✍️فقال عنه محمد بن بشار : " حفاظ الدنيا أربعة: أبو زرعة بالري ، و مسلم بن الحجاج بنيسابور ، و عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي بسمرقند ، و محمد بن إسماعيل ببخارى " ، و قال له إسحاق الكوسج: " لن نعدم الخير ما أبقاك الله للمسلمين. " (١)

✍️ و قال أحمد بن سلمة : " رأيت أبا زرعة وأبا حاتم يقدمان مسلماً في معرفة الصحيح على مشايخ عصرهما ." (٢) ، و قال عنه الذهبي : " مسلم بن الحجاج الإمام الحافظ حجة الإسلام. " (٣) ، و ما نقلناه هاهنا من ثناء العلماء عليه ليس إلا غرفة من نهر ، ممّا قيل في حقه و أثني به عليه.

✍️ و هذا ليس مدحاً أو ثناءاً من باب المجاملة أو الإطراء و إنّما شهادة حق ، و كل محاسب أمام الله تعالى على قوله ، لذلك لا تجد مجاملات عند أهل العلم ، بل يشهدون الحق و لو على آبائهم أو ابنائهم.

✍️ فعلي بن المديني لما سئل عن أبيه قال : " وَقَالَ هَذَا هُوَ الدَّين أبي ضَعِيف(٤) يعني في رواية الحديث ، و قال أبو داود السجستاني صاحب السنن عن ابنه : " ابني عبدالله كذاب(٥) ، و لا تحسبها قسوة في قلوبهم ، و لكن شهادة الحق عندهم أكبر من أي إعتبار ، و لذلك هم أهل علم.

✍️ ثانياً نجد أنّ التواتر لفظي بين رواة هذا الحديث ، لقوله "حدثنا" و "حدثني" ، و هما في علم الحديث أثبت ما يقال في نقل الخبر ؛ فهما أقوى من أخبرنا و أنبأنا ، و المعنى هو الاستماع المباشر من الراوي لفظاً .

✍️ ثالثاً رواة الحديث جميعهم ثقات و رجال الصحيح ، فجميعهم ممّن شهد لهم أهل العلم بحسن الحفظ و سلامة النقل ، و يمكنكم البحث و التحري عن سيرتهم و مراجعة آراء أهل الجرح و التعديل فيهم ، و قد تركت لكم الروابط في الهامش. (٦)

٣- متن الحديث

✍️ استشكل بعض العلماء في هذا الحديث ، و لم تطمئن نفوسهم لمتنه ، و الحق أني لا أجد فيه غرابة و لا نكارة.

✍️ و ممّا استشكل فيه العلماء ، تردد النبي ﷺ في بعض كلامه في هذا الحديث ، فمرة قال  : " انتقلي إلى أم شريك " ، ثم عارض ذلك و بدّله ﷺ قائلاً : " لا تَفْعَلِي، إنَّ أُمَّ شَرِيكٍ امْرَأَةٌ كَثِيرَةُ الضِّيفَانِ؛ فإنِّي أَكْرَهُ أَنْ يَسْقُطَ عَنْكِ خِمَارُكِ، أَوْ يَنْكَشِفَ الثَّوْبُ عن سَاقَيْكِ، فَيَرَى القَوْمُ مِنْكِ بَعْضَ ما تَكْرَهِينَ، وَلَكِنِ انْتَقِلِي إلى ابْنِ عَمِّكِ عبدِ اللهِ بنِ عَمْرِو ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ ".

✍️ و مرة قال ﷺ : " أَلَا إنَّه في بَحْرِ الشَّأْمِ أَوْ بَحْرِ اليَمَنِ " ثم عارض ذلك ﷺ فقال : " بَلْ مِن قِبَلِ المَشْرِقِ ما هُوَ، مِن قِبَلِ المَشْرِقِ ما هو، مِن قِبَلِ المَشْرِقِ ما هو، وَأَوْمَأَ بيَدِهِ إلى المَشْرِقِ ".

✍️ و ما من تضارب في هذا ، فالنبي ﷺ في نزول فاطمة بنت قيس عند أم شريك أو عند عبدالله بن عمرو بن أم مكتوم ، إنما عرض عليها كل ما هو متاح لها من خيارات ، ثم رجّح لها الأنسب مع ذكر الأسباب.

✍️ و أمّا عن تحديد مكان الجزيرة ، فالحديث لم يحدد مكانها ، و إنما يحدثنا النبي ﷺ عن خروج الدجال علينا ، فلو أنّ هذه الجزيرة في الغرب فإنه سيخرج إلينا من أحد البحرين ، و أما جزمه ﷺ بأنه سيخرج من المشرق ، فهذا سيكون إعلانه عن نفسه و بداية فتنته .

✍️ و من ناحية أخرى قد يكون النبي ﷺ  قد اجتهد في بادئ الأمر ، ثم صوّب له الوحي ظنّه ، و استقر به على قوله ( من قبل المشرق ) ، و هذه مسألة تغيب عن أذهان بعض الناس ، و هي من القضايا الأصولية المهمة ، تؤدي بهم إلى مثل هذه الاشكالات ، و قد جوز العلماء وقوع ذلك. (٧)

✍️ و ما جاء في حديث الجساسة ، يوافق الأحاديث الصحيحة المروية عن النبي ﷺ في شأن الدجّال ، فوصف تميم الداري للدجال بأنه أعظم إنسان قد رآه قط خلقاً ، يوافق وصف النبي ﷺ له إذ قال : " رجل أحمر جسيم" و في رواية قال ﷺ : "شاب" (٨) ، و جسيم أي ضخم الجسم . 

✍️ و أمّا عن التعارض بين ذلك و بين الأحاديث التي رويت عن النبي ﷺ في صفته أنّه قصير أفحج ، فأولاً الأحاديث التي تحدثت عن ضخامته أصح ، لذلك أخرجها البخاري ومسلم في صحيحهما .

✍️ و ما يضعف رواية وصفه بأنه قصير أنّ في سندها الوليد بن مسلم ، ومع أنّ جمهور أهل العلم على توثيقه ؛ إلا أنه موصوف بأنه يدلّس تدليس التسوية ، أي يروي عن شيخ له ثقة، عن رجل ضعيف، عن ثقة، فيسقط الضعيف من الوسط ، و كان الوليد بن مسلم يفعل ذلك . (٩)   

✍️ ثانياً عسى أنّ هذا من قبيل سحره و دجله و مما مكن الله ﷻ له و آذن به ، أي أنه في الأصل قصير ، و لكنه يظهر نفسه للناس ضخماً و يخيل لهم ذلك ، لتخويفهم و التأثير عليهم ، و كان ابن صياد مثل ذلك ، فعَنْ نَافِعٍ قَالَ : [ لَقِيَ ابْنُ عُمَرَ ، ابْنَ صَائِدٍ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ قَوْلًا أَغْضَبَهُ، فَانْتَفَخَ حَتَّى مَلَأَ السِّكَّةَ، فَدَخَلَ ابْنُ عُمَرَ عَلَى حَفْصَةَ وَقَدْ بَلَغَهَا، فَقَالَتْ لَهُ: رَحِمَكَ اللهُ، مَا أَرَدْتَ مِنِ ابْنِ صَائِدٍ؟ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:" إِنَّمَا يَخْرُجُ مِنْ ‌غَضْبَةٍ يَغْضَبُهَا]. (١٠)

✍️ و ممّا قد يثار من التساؤلات و يساق للنقد ، سؤال من قيّده و صفّده !؟ و جواب ذلك أنّ هذه الأمور من الغيبيات ليس شرطاً أن تحكى لنا ، و إنما بلغنا منها ما آذن به الله ﷻ أن يبلغنا .

✍️ و عسى أن يكون من الشياطين التي صفّدها سليمان عليه السلام ، و حبسها في جزر البحر ، و كنت قد ذكرت لكم هذه الملاحظة من قبل في تفسير قوله ﷻ : { وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ ۝٣٨ } من سورة ص ، و خاصة أن هناك تطابق تام بين لفظ الأصفاد في الآية الكريمة و بين ما وصف تميم الداريّ من القيود الموثق بها الدجال في جزيرته . (١١)

✍️ و أيضاً ممّا قد يثار من التساؤلات و يساق للنقد ، سؤال أين تقع هذه الجزيرة و لماذا لم نسمع عنها برغم الاقمار الصناعيه و التقدّم الذي نعيشه !؟

✍️ و جواب ذلك على ثلاثة أوجه ؛ أولاً أنّ بعض البحارة حكوا في أسفارهم عن جزيرة بالقرب من سواحل أيرلندا ، و أطلقوا عليها اسم هاي برازيل حكايات مشابهة لما حكاه تميم الداريّ ، إذ حكوا أنّ بها قلعة و فيها ساحر و مشعوذ ، و إن كنت لا أجزم بصدق ما قالوا ، و لكن في هذا رداً على قول ما سمعنا بمثل هذا إلا من قصة تميم.

✍️ أمّا عن الأقمار الصناعية و التقدّم المزعوم ، فجواب ذلك أن الإنسان بڪل ما وصل إليه من تڪنولوجيا ، لم يڪتشف من اليابسة إلا ١٤٪ ، و لم يڪتشف من البحريات إلا ٩٪ ، و ذلك بحسب الدراسة التي أجريت في عام ٢٠١١م ، و التي يعتبرها الجميع الأدق .

✍️ و عسى أنّ تكون هذه الجزيرة قد اكتشفت بالفعل ، و قاموا بالتعتيم على أخبارها ، فلا تنسى أن يقطنها صاحب أعظم فتنة منذ خلق آدم عليه السلام و حتى قيام الساعة ، فما يدرينا لعل الذين اكتشفوها اركسوا و سقطوا في فتنته و آمنوا له و صدقوه .

✍️ و لاحظ في رحلة تميم الداريّ ، أنه خرج في ثلاثين رجلاً ، ثم جاء هو (الوحيد من بينهم) فأسلم و بايع رسول الله ﷺ ، فماذا فعل الباقون إذن !؟

✍️ و أما عن أنّه حي طيلة هذه المدة ، فجواب ذلك أنّه من المنظرين ، و هذا جلي واضح في قوله ﷻ: { قَالَ أَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ۝١٤ قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ } (١٢) ، و لاحظ "الْمُنظَرِينَ" إذ صيغت جمعاً على علم ، بالرغم من أنّ الحديث موجه لإبليس.

✍️ و هذه ليست صفة مؤصلة إبليس لأنه جني ، و إنما صفة مكتسبة بمشيئة الله ﷻ، فالجن و الإنس يموتون كما قال النبي ﷺ (١٣) ، و كما جاء في قوله ﷻ : { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ } (١٤) ، و قوله ﷻ : { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ۚ } (١٥) ،و قوله ﷻ: { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ۝٢٦ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ }.(١٦)

٤- تحقيق المحدثون

  • ترتيب علل الترمذي الكبير (ص: ٣٢٨) ، قال البخاري : " و حديث الشعبي عن فاطمة بنت قيس في الدجال هو حديث صحيح".
  • أخرجه الترمذي (٢٢٥٣) ، و قال : " وهذا حديث حسن صحيح غريب من حديث قتادة عن الشعبي، و قد رواه غير واحد عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس "
  • الاستذكار (١٣/ ٢٠) ، قال ابن عبد البر : " وفي حديث الشعبي عن فاطمة بنت قيس حديث الجساسة في صفة الدجال أعظم إنسان رأيناه خلقًا وأشده وثاقًا، وفي حديث الزهري عن أبي سلمة عن فاطمة بنت قيس في ذلك: فإذا رجل يجر شعره مسلسل في الأغلال ينزو فيما بين السماء والأرض، وهذه كلها آثار ثابتة صحاح من جهة الإسناد والنقل " 
  • حلية الأولياء (٨/ ١٣٦) ، قال أبو نعيم: " حديث ثابت متفق عليه "
  • زاد المعاد (٥/ ٤٧٦) ، وقال ابن القيم: " ولم ينكره عليها ؛ أي: على فاطمة ، أحد مع طوله وغرابته "
  • فتح الباري (١٣/ ٣٢٦) ، وقال الحافظ ابن حجر: " قصة تميم أخرجها مسلم من حديث فاطمة بنت قيس…وسندها صحيح "
  • صحيح ابن حبان (٦٧٨٧، ٦٧٨٨، ٦٧٨٩)
  • صححه الألباني في صحيح وضعيف سنن أبي داود برقم (٤٣٢٥).
  • فتاوى جدة الشريط 20 الوجه أ --- سلسلة أهل الحديث و الأثر ، للألباني ؛ و لما سئل عنه قال الشيخ : حديث الجساسة حديث صحيح، وليس فيه ما يخالف الأحاديث الصحيحة إطلاقًا، وإنما فيه تفاصيل ستقع يومًا ما مما لم يرد ذكره في بعض الأحاديث الصحيحة، وبعضها وقع ... وحديث الجساسة لا شك في صحته لسببين اثنين ؛ الأول: أنه رواه مسلم في صحيحه ، و الآخر: أننا لم نجد في إسناده مغمزًا أو مطعنًا.

🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك و أتوب إليك 🌿 

------------------------------------------------------------

📖 المراجع :-

(١) تاريخ دمشق (٨٩/٥٨)
(٢) تاريخ بغداد (١٠١ ، ١٠٢ /١٣)
(٣) تذكرة الحفاظ (٥٨٨/٢)
(٤) المجروحين لابن حبان البستي (١٥/٢)
(٥) ميزان الاعتدال الذهبي (٤٣٣/٢)
(٦) بيان الحال في الرواة و ثقات الرجال / عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث ، و حجاج بن الشاعر - عبد الصمد بن عبد الوارث - عبدالوارث بن سعيد بن ذكوان - الْحُسَيْنِ بْنِ ذَكْوَانَ  - عبدالله بن بريدة بن حصيب - عامر بن شراحيل الشعبي .
(٧) موقع الإسلام سؤال وجواب سؤال رقم (٢٢٠٣٢٣)
(٨) صحيح البخاري (٣٤٥٠ ، ٥٩٠٢ ، ٦٩٩٩ ، ٧٠٢٦ ، ٧١٢٨) - صحيح مسلم (١٦٩ ، ١٧١ ، ٢٩٣٧ ، ٢٩٤٢).
(٩) شرح علل الترمذي لابن رجب (٨٢٥/٢)
(١٠) صحيح مسلم (٢٩٣٢)
(١١) انظر تفسير آية ٣٧ ، ٣٨ - سورة ص 
(١٢) آية ١٤ ، ١٥ - سورة الأعراف
(١٣) صحيح البخاري (٧٣٨٣) - صحيح مسلم (٢٧١٧)
(١٤) آية ١٨٥ - سورة آل عمران
(١٥) آية ٨٨ - سورة القصص
(١٦) آية ٢٦ ، ٢٧ - سورة الرحمٰن

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق